سلط "المركز العربي واشنطن دي سي" الضوء على التقارب الأخير بين مصر والسعودية، فيما وصفه بأنه "محاباة" من القاهرة للرياض في نزاعها مع الإمارات حول اليمن وقضايا إقليمية أخرى.
وبحسب المركز، فإنه من وجهة نظر القاهرة، يُهدد نهج الإمارات بزعزعة الاستقرار في البحر الأحمر وخليج عدن، مما قد يُعرقل حركة الملاحة الدولية عبر قناة السويس، التي تمثل مصدرًا لمصر في توفير العملات الأجنبية.
ووفق التقارير، فإن مصر غير مرتاحة أيضًا لعلاقة الإمارات الوثيقة مع إسرائيل وبعض مواقفها الإقليمية الأخرى.
دعم مصري للسعودية في اليمن
وفي اليمن، أشار التقرير إلى أن مصر لم تقدم للسعودية سوى دعم عسكري محدود للتحالف العربي بقيادة الرياض، الذي شُكّل عام 2015 لهزيمة الحوثيين (أنصار الله) الذين سيطروا على صنعاء.
وفسر ذلك بأن القاهرة أرادت تجنب تكرار تجربتها المريرة في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، حين غرقت في حرب أهلية طاحنة . ومع ذلك، شاركت مصر السعودية رغبتها في صد هجوم الحوثيين.
وأوضح التقرير أن مصر لم ترغب في أن يُعطّل الصراع اليمني حركة الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي عند مدخل البحر الأحمر، المتصل بقناة السويس. كما لم ترغب في أن يُتيح الدعم العسكري الإيراني للحوثيين لطهران ترسيخ وجودها في اليمن.
واستنادًا إلى وجهة التظر، فقد أدركت المملكة بعد أن طالت الحرب الأهلية اليمنية الحالية أكثر بكثير مما توقعته، أن تدخلها العسكري ضد الحوثيين قد تعثر، فبدأت في البحث عن حل سياسي للنزاع.
في الوقت الذي ترغب فيه مصر في إنهاء الصراع اليمني. الأمر الذي رأى التقرير أنه يتعارض دعم الإمارات العربية المتحدة للقوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي ومحاولتها السيطرة على عدة موانئ في جنوب اليمن مع أهداف مصر المتمثلة في التوصل إلى حل دبلوماسي والحفاظ على وحدة الدولة اليمنية.
وأثار سعي الإمارات للسيطرة على الممرات البحرية في هذه المنطقة مخاوف مصر بشأن عدم الاستقرار في تلك المياه الحيوية.
ويُثير عدم الاستقرار في اليمن قلق القاهرة لأسباب اقتصادية وجيوسياسية. فبعد شهر من شنّ إسرائيل حربها على غزة في أكتوبر 2023، بدأ الحوثيون بمهاجمة سفن الشحن في البحر الأحمر تضامنًا مع الفلسطينيين.
مما دفع العديد من شركات الشحن الدولية الكبرى إلى تغيير مسار سفنها من البحر الأحمر وقناة السويس إلى مسار أطول وأكثر تكلفة حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
وأفادت مصر بأنها خسرت نحو 7 مليارات دولار من الإيرادات في عام 2024 نتيجةً لتغيير مسار السفن من قناة السويس، انخفاضٌا عن 9.4 مليار دولار من رسوم القناة التي حققتها خلال الفترة 2022-2023.
ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2025، توقف الحوثيون عن هجماتهم على السفن، وبدأت القاهرة في استعادة بعض خسائرها من خلال استقطاب شركات الشحن للعودة إلى قناة السويس، بل وتقديم حوافز مالية لها.
ولأسباب لوجستية، سيستغرق تغيير مسار الملاحة بعض الوقت. آخر ما تريده القاهرة في هذه الأثناء هو عودة العنف وعدم الاستقرار إلى البحر الأحمر وخليج عدن، بحسب التقرير.
موقف مصر والسعودية من الحرب في السودان
ولا يقتصر التوافق بين مصر والسعودية على اليمن فحسب، بل يمتد ليشمل الحرب الأهلية في السودان، كما يرصد التقرير، حيث انحازت كلتاهما إلى جانب الحكومة بقيادة رئيس أركان القوات المسلحة السودانية، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ضد محمد حمدان دقلو (حميدتي) وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.
وعلى الرغم من تعاون الإسلاميين مع تحالف البرهان، ومعارضة النظام المصري الشديدة للمنظمات التابعة لجماعة "الإخوان المسلمين"، إلا أن القاهرة تعتبر احتمال تفكك الدولة السودانية تهديدًا أشد خطورة، وفق المركز العربي واشنطن دي سي".
وتربط مصر علاقات طويلة الأمد مع الجيش السوداني، وتسعى للحفاظ على هذه العلاقات الودية. كما تحتاج مصر إلى دعم الحكومة السودانية في نزاعها المستمر مع إثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي، الذي بدأ يؤثر سلبًا على تدفق مياه النيل الحيوية لتلبية احتياجات مصر.
وعلى الرغم من أن دعم مصر والسعودية لأحد أطراف الحرب الأهلية السودانية قد أطال أمد معاناة البلاد، إلا أنهما بدت في الأشهر الأخيرة وكأنهما غيّرتا موقفهما. ففي نوفمبر 2025، زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واشنطن بالتزامن مع ورود أنباء عن فظائع جديدة ارتكبتها وحدات الدعم السريع في الفاشر بمنطقة دارفور.
وربط التقرير بين دعوة محمد بن سلمان إلى إنهاء الأزمة السودانية وطلبه من الرئيس دونالد ترامب التدخل، بالحصول على دعم مصري بهذا الصدد. أما الإمارات العربية المتحدة، التي لطالما نفت أي تورط لها مع قوات الدعم السريع، فقد بدت غير مهتمة بالتوصل إلى حل تفاوضي، كما يذكر التقرير.
معارضة الجهود الإسرائيلية الإماراتية في أرض الصومال
ثمة خلاف آخر بين السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة يتعلق بأرض الصومال: فقد عارض البلدان اعتراف إسرائيل بالدولة الانفصالية في ديسمبر 2025، حيث أقامت الإمارات وجودًا عسكريًا.
وأبرز التقرير معارضة نظر مصر والسعودية لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال، حيث تقدم الإمارات استثمارات وتدريبًا عسكريًا، إلى جانب ترسيخ وجودها العسكري في ميناء بربرة.
وشبه "المركز العربي واشنطن دسي سي"، الاستراتيجية في أرض الصومال بأنها تُشابه نهج أبوظبي في جنوب اليمن، لافتًا إلى أنه مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، بدا وكأن الإمارات وإسرائيل تُنسقان لجعل الدولة الانفصالية قابلة للحياة.
وردًا على ذلك، أعلن الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، وأعلن عزمه على تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجال أمن البحر الأحمر، وتعميق التعاون العسكري مع الرياض والقاهرة.
موقف الإمارات من القضية الفلسطينية
وعلى الرغم من أن مصر، أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع تل أبيب عبر صفقات ضخمة للغاز الطبيعي، إلا أن العلاقات السياسية بين القاهرة وحكومة نتنياهو متوترة بسبب غزة والقضية الفلسطينية الأوسع، حتى بعد وقف إطلاق النار في غزة، كما يرصد التقرير.
وبين أن إسرائيل لم تفتح بعد معبر رفح جنوب قطاع غزة، وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، ما يعرقل تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع ، كما أنها لم توقف هجماتها العسكرية على غزة، والتي أسفرت عن مئات الضحايا منذ بدء وقف إطلاق النار.
وقال إنه يبدو أن مصر ترى أن حكومة نتنياهو غير راغبة في السماح لإدارة تكنوقراطية فلسطينية بإدارة غزة تحت وصاية أمريكية، كما يدعو إليه برنامج ترامب للسلام. أما السعودية، فعلى الرغم من تعاونها السابق مع إسرائيل في قضايا مثل إيران، إلا أنها قلقة أيضًا بشأن سياسات حكومة نتنياهو تجاه الفلسطينيين. لهذا السبب، ولأسباب أخرى، لم تنضم الرياض إلى ما يُسمى باتفاقيات إبراهيم، رغم مناشدات ترامب.
وعلى النقيض من ذلك، أقامت الإمارات العربية المتحدة علاقات وثيقة مع إسرائيل. ويبدو أنها الدولة العربية الأقل انتقادًا للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية منذ بدء حرب غزة.
وعلى الرغم من أن دبلوماسيين إماراتيين انتقدوا إسرائيل أحيانًا في الأمم المتحدة، إلا أن الرأي السائد في المنطقة هو أن الإمارات كانت متساهلة للغاية مع نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، وأنها طورت تحالفًا استراتيجيًا مكّن إسرائيل من تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة.
وبينما تدرك كل من القاهرة والرياض واقع قوة إسرائيل، فإنهما لا تريان ضرورة لأن تُذعن أبوظبي لمخططات إسرائيل، بحسب التقرير.
اجتماع مهم في القاهرة
لهذه الأسباب وغيرها، أشار التقرير إلى أن العلاقات بين مصر والسعودية شهدت تحسنًا ملحوظًا، ويتجلى ذلك في زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى القاهرة في 5 يناير 2026، حيث التقى عبدالفتاح السيسي.
ووفقًا للبيان المصري، يتفق البلدان على موقف موحد بشأن التوصل إلى حلول سلمية لأزمات المنطقة، مؤكدين على ضرورة أن تحافظ هذه الحلول على وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها، مع الإشارة تحديدًا إلى أرض الصومال والسودان واليمن.
وعلى الرغم من أن البيان لم يذكر الإمارات العربية المتحدة بالاسم، فمن المرجح أن مصر والسعودية أرادتا توجيه انتقادات لدعم أبوظبي لحركات التمرد والدول الانفصالية، كما يقول التقرير.
وتحافظ القاهرة على روابط اقتصادية هامة مع الإمارات العربية المتحدة. وقد أظهرت بيانات حديثة أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بنسبة 77% ليصل إلى 4.8 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، وأن تحويلات المصريين العاملين في الإمارات بلغت 1.8 مليار دولار في السنة المالية 2023/2024.
ومع ذلك، يبدو أن مصر مستعدة لتحمل غضب الإمارات بالانحياز إلى جانب السعودية في هذه النزاعات الإقليمية، ولعل جزءًا من حسابات مصر يكمن في أنه على الرغم من أهمية حجم التجارة والاستثمار الإماراتي في مصر، إلا أن علاقاتها الاقتصادية مع السعودية أكثر أهمية، وفقًا لما يستنتجه التقرير.
وفي عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية ما يقارب 16 مليار دولار، مسجلاً زيادة قدرها 29% عن العام السابق. إضافة إلى ذلك، نمت الاستثمارات السعودية في مصر لتصل إلى نحو 35 مليار دولار في عام 2025.
وقال إن مصر تأمل في استمرار هذا الرقم في الارتفاع مع ازدياد تقاربها مع السعودية، إذ أشارت تقارير صدرت في سبتمبر 2025 إلى أن مصر والسعودية اتفقتا على تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية البحر الأحمر، تجنبًا للارتباط بالتحركات الأمنية الغربية في المنطقة. يبقى مصير هذه القوة المشتركة غير مؤكد، إلا أن الإعلان عنها يُشير إلى تنامي العلاقات بين البلدين، بحسب التقرير.
اجتماع مهم في دافوس
في 21 يناير 2026، عقد ترامب والسيسي اجتماعًا ثنائيًا على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وأعرب السيسي عن تقديره لعرض ترامب المساعدة في التوسط لحل النزاع المصري الإثيوبي حول سد النهضة. وقد يأمل السيسي أن يتدخل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى جانب ترامب لدعم مصالح مصر، وهو ما سيمثل إضافة قيّمة لتعزيز التعاون الأمني بين القاهرة والرياض، كما يذكر التقرير.
وعلى الرغم من أن تعزيز عائدات زيادة حركة الملاحة في قناة السويس يمثل أولوية للقاهرة، إلا أن التقرير يرى أن ضمان عدم تأثير سد النهضة سلبًا على تدفق المياه قد يكون أكثر أهمية، نظرًا لتزايد عدد سكان مصر واحتياجاتها المائية .
https://arabcenterdc.org/resource/egypt-partnering-with-saudi-arabia-on-security-in-the-red-sea-and-gulf-of-aden/

